ابن أبي الحديد

149

شرح نهج البلاغة

( 32 ) الأصل : فاعل الخير خير منه ، وفاعل الشر شر منه . * * * الشرح : قد نظمت أنا هذا اللفظ والمعنى فقلت في جملة أبيات لي : خير البضائع للانسان مكرمة * تنمى وتزكو إذا بارت بضائعه فالخير خير وخير منه فاعله * والشر شر وشر منه صانعه . فإن قلت : كيف يكون فاعل الخير خيرا من الخير ، وفاعل الشر شرا من الشر ، مع أن فاعل الخير إنما كان ممدوحا لأجل الخير ، وفاعل الشر إنما كان مذموما لأجل الشر ، فإذا كان الخير والشر هما سببا المدح والذم - وهما الأصل في ذلك - فكيف يكون فأعلاهما خيرا وشرا منهما ؟ قلت : لان الخير والشر ليسا عبارة عن ذات حيه قادرة ، وإنما هما فعلان ، أو فعل وعدم فعل ، أو عدمان ، فلو قطع النظر عن الذات الحية القادرة التي يصدران عنها ، لما انتفع أحد بهما ولا استضر ، فالنفع والضرر إنما حصلا من الحي الموصوف بهما لا منهما على انفرادهما ، فلذلك كان فاعل الخير خيرا من الخير ، وفاعل الشر شرا من الشر .